فصل: قال الألوسي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال الألوسي:

{لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة}.
ممن ذكرت قبائحهم {مَثَلُ السوء} صفة السوء التي هي كالمثل في القبح وهي الحاجة إلى الولد ليقوم مقامهم بعد موتهم ويبقى به ذكرهم، وإيثار الذكور للاستظهار، ووأد البنات لدفع العار أو خشية الإملاق على حسب اختلاف أغراض الوائدين المنادي كل واحد من ذلك بالعجز والقصور والشح البالغ.
وعن ابن عباس {مَثَلُ السوء} النار، وأظنه لا يصح عنه رضي الله تعالى عنه، ومنع ابن عطية حمل المثل على الصفة وقال: إنه لا يضطر إليه لأنه خروج عن اللفظ بل هو على بابه، وذلك أنهم إذا قالوا: إن البنات لله سبحانه فقد جعلوا لله عز وجل مثلًا فإن البنات من البشر وكثرة البنات أمر مكروه عندهم ذميم فهو المثل السوء الذي أخبر الله تعالى بأنه لهم، وليس في البنات فقط بل لما جعلوا له تعالى البنات جعله هو سبحانه لهم على الإطلاق في كل سوء ولا غاية أبعد من عذاب النار اه، وهو أشبه شيء عندي بالرطانة كما لا يخفى؛ ووضع الموصول موضع الضمير للإشعار بأن مدار اتصافهم بتلك القبائح هو الكفر بالآخرة {وَلِلَّهِ المثل الاعلى} أي الصفة العجيبة الشأن التي هي مثل في العلو مطلقًا وهو الوجوب الذاتي والغنى المطلق والجود الواسع والنزاهة عن صفات المخلوقين ويدخل فيه علوه تعالى عما يقول علوًا كبيرًا.
وأخرج ابن جرير وغيره عن قتادة أن المثل الأعلى شهادة أن لا إله إلا الله وهو رواية عن ابن عباس.
والذي أخرجه عنه البيهقي في الأسماء والصفات وغيره هو {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء} [الشورى: 11]. {وَهُوَ العزيز} المنفرد بكمال القدرة على كل شيء ومن ذلك مؤاخذتهم بقبائحهم، وقيل: هو الذي لا يوجد له نظير {الحكيم} الذي يفعل كل ما يفعل بمقتضى الحكمة البالغة.
{وَلَوْ يُؤَاخِذُ الله الناس} الظالمين مطلقًا، وقيل: بالكفر والمؤاخذة مفاعلة من فاعل بمعنى فعل وهو الظاهر، وقال ابن عطية: هي مجاز كأن العبد يأخذ حق الله تعالى بمعصيته والله تعالى يأخذ منه بمعاقبته وكذا الحال في مؤاخذة الخلق بعضهم بعضًا {بِظُلْمِهِمْ} أي بسبب كفرهم ومعاصيهم بناء على أن الظلم فعل ما لا ينبغي ووضعه في غير موضعه؛ وقد يخص بالكفر والتعدي على الغير ويدخل فيه ما عد من القبائح، وهذا تصريح بما أفاده قوله تعالى: {وَهُوَ العزيز الحكيم} [النحل: 60]، وإيذان بأن ما أتاه هؤلاء الكفرة من القبائح قد تناهى إلى أمد لا غاية وراءه {مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا} أي على الأرض المدلول عليها بالناس وبقوله تعالى: {مِن دَابَّةٍ} بناء على شهرة كون الدبيب في الأرض أي ما ترك عليها شيئًا من الدواب أصلًا بل أهلكها بالمرة، أما الظالم فبظلمه وأما غيره فبشؤم ذلك فقد قال سبحانه: {واتقوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الذين ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً} [الأنفال: 25]، وأخرج البيهقي في الشعب وغيره عن أبي هريرة أنه سمع رجلًا يقول: إن الظالم لا يضر إلا نفسه فقال: بلى والله إن الحبارى لتموت هزلًا في وكرها من ظلم الظالم، وأخرج أيضًا هو فيه وغيره عن ابن مسعود قال: كاد الجعل أن يعذب في جحره بذنب ابن آدم ثم قرأ الآية، وأخرج أحمد في الزهد عنه أنه قال: ذنوب ابن آدم قتلت الجعل في جحره ثم قال: أي والله زمن غرق قوم نوح عليه السلام، وقيل: المراد من دابة ظالمة على أن التنوين للنوع وهو مخصوص بالكفار والعصاة من الإنس، وقيل: منهم ومن الجن، وقيل: المراد الدابة الظالمة الفاعلة لما لا ينبغي شرعًا أو عرفًا فيدخل بعض الدواب إذا ضر غيره، وقالت فرقة منهم ابن عباس: المراد بالدابة المشرك فقد قال تعالى: {إِنَّ شَرَّ الدواب عِندَ الله الذين كَفَرُواْ} [الأنفال: 55]، وقال الجبائي: الدابة على عمومها فتشمل سائر الحيوانات، والمراد بالناس الظالمون مطلقًا؛ ووجه الملازمة أنه تعالى لو آخذهم بما كسبوا من كفر أو معصية لعجل هلاكهم وحينئذٍ لا يبقى لهم نسل، ومن المعلوم أن لا أحد إلا وفي آبائه من يستحق العقاب وإذا هلكوا جميعًا وبطل نسلهم لا يبقى أحد من الناس وحينئذٍ يهلك الدواب لأنها مخلوقة لمنافع العباد ومصالحهم كما يشعر به قوله تعالى: {خَلَقَ لَكُم مَّا في الأرض جَمِيعًا} [البقرة: 29]، وبتخصيص الناس يسقط الاستدلال بالآية على عدم عصمة الأنبياء عليهم السلام، وقال بعض المحققين: لا حاجة إلى التخصيص في ذلك والآية من باب بنو تميم قتلوا قتيلًا لتظافر الأدلة والنصوص على عصمة الأنبياء عليهم السلام، فلا يقال: الأصل الحمل على الحقيقة.
واستدل بعضهم للتخصيص بقوله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكتاب الذين اصطفينا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظالم لّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بالخيرات} [فاطر: 32]، وإلا يفسد التقسيم، وقد يقال: إنه ما أحد إلا وهو متصف بظلم إلا أن مراتبه مختلفة فحسنات الأبرار سيئات المقربين، والعصمة التي تدعى للأنبياء عليهم السلام إنما هي العصمة مما يعد ذنبًا بالنسبة إلى غيرهم وأما العصمة مما يعد ذنبًا بالنسبة إلى مقامهم ومرتبتهم فلا تدعى لهم إذ قد وقع ذلك منهم كما يشهد به كثير من الآيات.
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو أن الله تعالى يؤاخذني وعيسى ابن مريم بذنوبنا» وفي لفظ «بما جنت هاتان الإبهام والتي تليها لعذبنا ما يظلمنا شيئًا» نعم إنه لا يقال لنبي هو ظالم ولا للأنبياء عليهم السلام هم ظالمون ويقال الناس ظالمون وهذا نظير قولهم: لا يقال لله سبحانه خالق القردة والخنازير ويقال هو خالق كل شيء، ورب شيء يجوز تبعًا ولا يجوز استقلالًا، وأمر التقسيم هين عند المتأمل فليتأمل، ومن الناس من احتج بالآية على أن أصل المضار الحرمة إذ لو كان الضرر مشروعًا فإما أن يكون مشروعًا على وجه يكون جزاء على جرم أو لا وكلا القسمين باطل، أما الأول فللآية وذلك من وجهين:
الأول: إنها لمكان لو تقتضي أن تعالى ما آخذ الناس بظلمهم وأنه ترك على ظهرها دابة.
الثاني: إن مقتضى المؤاخذة عدم ترك دابة على ظهرها ونحن نشاهد أنه سبحانه قد ترك كثيرًا من الدواب فيجب القطع بأنه تعالى لم يؤاخذ بالظلم، وأما الثاني فباطل بالإجماع فثبت بمقتضى الآية تحريم المضار، ويؤكد ذلك آيات أخر وأخبار؛ وحينئذٍ يقال: إذا وقعت حادثة مشتملة على الضرر من جميع الوجوه فإن وجدنا نصًّا يدل على كونه مشروعًا قضينا به تقديمًا للخاص على العام وإلا قضينا بالحرمة بناء على الأصل الذي قرر.
واستدل بها المعتزلة على أن العباد خالقون لأفعالهم ووجه مع رده غني عن البيان {ولكن} لا يؤاخذهم بذلك بل {يُؤَخِرُهُمْ إلى أَجَلٍ مسمى} سماه سبحانه وعينه لأعمارهم أو لعذابهم كي يتوالدوا أو يكثر عذابهم {فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ} المسمى {لاَ يَسْتَأْخِرُونَ} عنه {سَاعَةِ} أقل مدة {وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} عليه، وقد مر الكلام في نظيرها.
{وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ} أي يثبتون له سبحانه وينسبون إليه بزعمهم {مَا يَكْرَهُونَ} الذي يكرهونه لأنفسهم من البنات، والتعبير بما عند أبي حيان على إرادة النوع، وهذا على ما سمعت تكرير لما سبق تثنية للتقريع وتوطئة لقوله تعالى: {وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الكذب} أي يجعلون لله تعالى ما يجعلون ومع ذلك تصف ألسنتهم الكذب وهو {أَنَّ لَهُمُ الحسنى} أي العاقبة الحسنى عند الله عز وجل ولا يتعين إرادة الجنة.
وعن بعضهم أن المراد بها ذلك بناء على أن منهم من يقر بالبعث وهذا بالنسبة لهم أو أنه على الفرض والتقدير كما روي أنهم قالوا: إن كان محمد صلى الله عليه وسلم صادقًا في البعث فلنا الجنة بما نحن عليه، قيل: وهو المناسب لقوله تعالى: الآتي: {لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النار} لظهور دلالته على أنهم حكموا لأنفسهم بالجنة، فلا يرد أنهم كيف قالوا ذلك وهم منكرون للبعث، وعن مجاهد أنهم أرادوا بالحسنى البنين وليس بذاك وقال بعض المحققين: المراد بما يكرهون أعم مما تقدم فيشمل البنات وقد علم كراهتهم لها وإثباتها لله تعالى بزعمهم والشركاء في الرياسة فإن أحدهم لا يرضى أن يشرك في ذلك ويزعم الشريك له سبحانه والاستخفاف برسل الله تعالى عليهم السلام فإنهم يغضبون لو استخف برسول لهم أرسلوه في أمر لغيرهم ويستخفون برسل الله تعالى عليهم السلام وأراذل الأموال فإنهم كانوا إذا رأوا ما عينوه لله تعالى من أنعامهم أزكى بدلوه بما لآلهتهم وإذا رأوا ما لآلهتهم أزكى تركوه لها ولو فعل نحو ذلك معهم غضبوا، وعلى هذا يفسر الجعل بما يعم الزعم والاختيار و{مَا} تعم العقلاء وغيرهم ولا يخلو الكلام عن نوع تكرير، والمراد من {تَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الكذب} يكذبون وهو من بليغ الكلام وبديعه، ومثله قولهم: عينها تصف السحر أي ساحرة وقدها يصف الهيف أي هيفاء، وقول أبي العلاء المعري:
سرى برق المعرة بعد وهن ** فبات برامة يصف الكلالا

وسيأتي إن شاء الله تعالى قريبًا تمام الكلام في ذلك، والظاهر أن {الكذب} مفعول {تَصِفُ} و{أَنَّ لَهُمْ} بدل منه أو بتقدير بأن لهم ولما حذفت الباء صار في موضع نصب عند سيبويه، وعند الخليل هو في موضع جر، وجوز أن يكون خبرًا لمبتدأ محذوف كما أشرنا إليه في بيان المعنى، وجوز أبو البقاء كون {الكذب} بدلًا مما يكرهون وهو كما ترى.
وقرأ الحسن ومجاهد باختلاف {ألسنهم} بإسقاط التاء وهي لغة تميم، واللسان يذكر ويؤنث قيل: ويجمع المذكر على ألسنة نحو حمار وأحمرة والمؤنث على ألسن كذراع وأذرع.
وقرأ معاذ بن جبل وبعض أهل الشام {يَفْتَرِى الكذب} بثلاث ضمات وهو جمع كذوب كصبر وصبور وهو مقيس.
وقيل: جمع كاذب نحو شارف وشرف وهو غير مقيس، ورفعه على أنه صفة الألسنة و{أَنَّ لَهُمُ الحسنى} حينئذٍ مفعول {تَصِفُ} {لاَ جَرَمَ} أي حقًا {أَنَّ لَهُمْ} مكان ما زعموه من الحسنى {النار} التي ليس وراء عذابها عذاب وهي علم في السوأى، وكلمة {لا} رد لكلام و{جَرَمَ} بمعنى كسب و{أَنَّ لَهُمْ} في موضع نصب على المفعولية أي كسب ما صدر منهم أن لهم ذلك.
وإلى هذا ذهب الزجاج، وقال قطرب: {جَرَمَ} بمعنى ثبت ووجب و{أَنَّ لَهُمْ} في موضع رفع على الفاعلية له، وقيل: {لاَ جَرَمَ} بمعنى حقًا و{أَنَّ لَهُمْ} فاعل حق المحذوف، وقد مر تمام الكلام في ذلك وحلا.
وقرأ الحسن وعيسى بن عمر {أَنَّ لَهُمْ} بكسر الهمزة وجعل الجملة جواب قسم أغنت عنه {لاَ جَرَمَ} وكذا قرءا بالكسر في قوله تعالى: {وَأَنَّهُمْ مُّفْرَطُونَ} أي مقدمون معجل بهم إليها على ما روي عن الحسن وقتادة من أفرطته إلى كذا قدمته وهو معدى بالهمزة من فرط إلى كذا تقدم إليه، ومنه أنا «فرطكم على الحوض» أي متقدمكم وكثيرًا ما يقال للمتقدم إلى الماء لإصلاح نحو دلو فارط وفرط، وأنشدوا للقطامى:
واستعجلونا وكانوا من صحابتنا ** كما تعجل فراط لوراد

وقال مجاهد، وابن جبير وابن أبي هند: أي متركون في النار منسيون فيها أبدًا من أفرطت فلانًا خلفي إذا تركته ونسيته.
وقرأ ابن عباس وابن مسعود وأبو رجاء وشيبة ونافع وأكثر أهل المدينة {مُّفْرَطُونَ} بكسر الراء اسم فاعل من أفرط اللازم إذا تجاوز أي متجاوزو الحد في معاصي الله تعالى.
وقرأ أبو جعفر: {مُّفْرَطُونَ} بتشديد الراء وكسرها من فرط في كذا إذا قصر أي مقصرون في طاعة الله تعالى، وعنه أنه قرأ: {مُّفْرَطُونَ} بتشديد الراء وفتحها من فرطته المعدي بالتضعيف من فرط بمعنى تقدم أي مقدمون إلى النار.
{تالله لَقَدْ أَرْسَلْنَا إلى أُمَمٍ مّن قَبْلِكَ} تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما كان يناله من جهالات قومه الكفرة ووعيد لهم على ذلك، ولا يخفى ما في ذلك من عظيم التأكيد أي أرسلنا رسلًا إلى أمم من قبل أمتك أو من قبل إرسالك إلى هؤلاء فدعوهم إلى الحق {فَزَيَّنَ لَهُمُ الشيطن أعمالهم} القبيحة فلم يتركوها ولم يمتثلوا دعوة الرسل عليهم السلام، وقد تقدم الكلام في نسبة التزيين إلى الشيطان {فَهُوَ وَلِيُّهُمُ} أي قرين الأمم وبئس القرين أو متولي إغوائهم وصرفهم عن الحق {اليوم} أي يوم زين الشيطان أعمالهم فيه، وهو وإن كان ماضيًا واليوم المعرف معروف في زمان الحال كالآن لكن صور بصورة الحال ليستحضر السامع تلك الصورة العجيبة ويتعجب منها، وسمي مثل ذلك حكاية الحال الماضية وهو استعارة من الحضور الخارجي للحضور الذهني أو المراد باليوم مدة الدنيا لأنها كالوقت الحاضر بالنسبة للآخرة وهي شاملة للماضي والآتي وما بينهما أي فهو وليهم في الدنيا {وَلَهُمْ} في الأخرى {عَذَابٌ أَلِيمٌ} وهو عذاب النار، وقد ورد إطلاق اليوم على مدتها كثيرًا فهو مجاز متعارف وليس فيه حكاية لما مضى أو يوم القيامة الذي فيه عذابهم لكن صور بصورة الحال استحضارًا له كما في الوجه الأول إلا أنه حكاية حال آتية وفي الأول حكاية حال ماضية وليس من مجاز الأول، والولي على هذا بمعنى الناصر أي لا ناصر لهم في ذلك اليوم غيره وهو نفي للناصر على أبلغ وجه على حد قوله:
وبلدة ليس بها أنيس ** إلا اليعافير وإلا العيس

ولا يجوز أن يكون بمعنى المتولي للإغواء إذ لا إغواء ثمة ولا بمعنى القرين لأنه في الدرك الأسفل من النار، وجوزه بعضهم باعتبار أنه معهم في النار في الجملة ولا يضر اختلافهم في الدركات، والظاهر أن ضمائر الجمع كلها للأمم كما أشرنا إليه في بعضها، وجوز الزمخشري أن يكون ضمير {وَلِيُّهُمُ} المضاف إليه لقريش لا للأمم و{اليوم} بمعنى الزمان الذي وقع فيه الخطاب أي زين الشيطان للكفرة المتقدمين أعمالهم فهو ولي هؤلاء لأنهم منهم.
وأن يكون الضمير للمتقدمين، والكلام على حذف مضاف أي ولي أمثالهم، والمراد من الأمثال قريش.
وتعقب ذلك أبو حيان بأن فيه بعدًا لاختلاف الضمائر من غير داع إليه ولا إلى تقدير المضاف.
ورد بأن لفظ اليوم داع إليه، وقال الطيبي: إنه الوجه وعليه النظم الفائق لأن في تصدير القسمية بقوله تعالى: {تالله} بعد إنكارهم الرسالة وتعداد قبائحهم الإشعار بأن ما ذكر كالتسلية للرسول الله صلى الله عليه وسلم فكأنه قيل: إن الأمم الخالية مع الرسل السالفة لم تزل على هذه الوتيرة فلك أسوة بالرسل عليهم السلام وقومك خلف لتلك الأمم فلا تهتم لذلك فإن ربك ينتقم لك منهم في الدنيا والآخرة فاشتغل أنت بتبليغ ما أنزل إليك وتقرير أنواع الدلائل المنصوبة على الوحدانية السيئات إلى هذا الموضع فن آخر من كفرانهم وتداد قبائحهم، وجاز أن يكون من تتمة سابقه على منوال {وَمَا بِكُم مّن نّعْمَةٍ فَمِنَ الله} [النحل: 53]. إلا أنه بنى على الغيبة دلالة على أنه فن آخر، وهذا قريب المتناول، وجاز أن يجعل عطفًا على قوله تعالى: {وَأَقْسَمُواْ بالله} [النحل: 38]. فإن ما وقع من الكلام بعده من تتمته اعتراضًا واستطرادًا كأنه قيل: ذاك معتقدهم في المعاد وهذا في المبدأ وهم فيما بين ذلك متدينون بهذا الدين القويم ومع اختلاف العقيدة في المبدأ والمعاد يدعون أن لهم الحسنى فيحق لهم ضد ذلك حقًا. اهـ.